الوضع المظلم
السبت ٠٩ / مايو / ٢٠٢٦
Logo
  • من دكتاتورية الفرد إلى شمولية "الطرائق" سورياً ومعضلة الدولة المختطفة

من دكتاتورية الفرد إلى شمولية
من دكتاتورية الفرد إلى شمولية "الطرائق" سورياً ومعضلة الدولة المختطفة

في هذا المقال، أحاول استشراف مآلات الواقع السوري الراهن، محاولًا تفكيك بنية "الولاء" في مقابل "المواطنة".

تُشكل الدولة في الوعي السياسي المعاصر حصناً للحقوق وسياجاً للقانون، إلا أن الحالة السورية، ومنذ حقبة الانقلابات العسكرية التي توجت بعهد "الأسدية" الطويل، تعرضت لعملية تجريف ممنهجة لمفهوم المؤسسات لصالح "دكاكين السلطة" وشبكات الولاء الضيقة. واليوم، وبينما كان السوريون ينتظرون بزوغ فجر "دولة المواطنة" عقب سقوط النظام السابق، يبرز تساؤل استراتيجي ملحّ: هل انتقلت سوريا من استبداد شخصي إلى استبداد منهجي يرتدي ثوب "الانتصارية"؟

في إطار هذه المقدمة علينا فهم فلسفة "الطرائق" وكيفية مصادرة العقد الاجتماعي
حيث إن العبارة التي أطلقها رئيس سلطة الأمر الواقع للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع في ملتقى الحوار الوطني: "قبلتم منا النصر فتكرموا واقبلوا منا طرائقه"، لا تمثل مجرد زلة لسان سياسية، بل هي إعلان دستوري مضمر يكرس مفهوم "شرعية الغلبة" على حساب "الشرعية الدستورية".
لتقوم هذه العبارة في تأصيل مفهوم التبعية إذا تحول الشعب من "مصدر للسلطات" إلى "متلقٍ للمكرمات"، وتجعل من النصر العسكري صكًا مفتوحًا لمصادرة شكل الدولة ومستقبلها.
إن "طرائق النصر" حين تُفرض كقدر محتوم، فإنها تعيد إنتاج ذات البيئة التي حكم بها حافظ الأسد؛ أي إعادة إنتاج الولاء، حيث يُقدم الولاء للسلطة الانتقالية على الكفاءة والالتزام بالقانون، مما يُغيب الأمل في تداول سلمي وحقيقي للسلطة..

وهنا يتجلى الخطر الاستراتيجي لهذا النهج في الانقسام الطبقي الحاد "أسوة بالمحاولات العبثية التي تعمل على تفتيت المجتمع لصالح المكون والمعتقد والأيديولوجية" الذي يشهده المجتمع السوري اليوم، إذ يتموضع الاقتصاد السياسي للمظلومية. فالمعطيات تشير إلى هوة سحيقة تعصف بالنسيج المجتمعي.

ما بين طبقة الامتياز وتقدر بحوالي 3-4.50%، وهي الفئة الموالية والمهادنة التي استطاعت التكيف مع السلطة الانتقالية، محتكرة الموارد والفرص تحت مسميات "الضرورات الأمنية" أو "مقتضيات المرحلة".
 لتأتي الأغلبية الساحقة التي تتجاوز على أقل تقدير 83%، والتي تعيش تحت خط الفقر المدقع، وهي ذات الفئة التي قدمت التضحيات الكبرى، لتجد نفسها اليوم خارج حسابات "العدالة التوزيعية".

هذا الخلل ليس مجرد أزمة معيشية، بل هو "قنبلة موقوتة" تهدد شبه الاستقرار القائم حالياً، إذ إن بناء الدولة لا يستقيم في ظل جياع يتفرجون على "نخبة الولاء" تقتات على أنقاض تضحياتهم وكوارثهم وآمالهم..

وفق هذا السياق، أجد أن الغياب الدولي وسط استمرارية غياب البيئة الآمنة وعدم السماح للسوريين بتمثيل أنفسهم بالشكل الصحيح من خلال الأحزاب والاعتبارات والتجمعات والمنتديات السياسية والاجتماعية، يجعل المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية تاريخية وقانونية في استمرار هذه المظلومية. إن التراخي في تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة بتأمين "بيئة آمنة ومحايدة للسوريين مصانة ومحمية من خلال مبادئ ما فوق الدستور ليتبعها عقد اجتماعي يتجلى في دستور يتوافق عليه جميع السوريين" سمح للسلطات المتعاقبة بالاستفراد بالإنسان السوري..

إن إعادة بناء "الإنسان السوري" الذي اختُطف لعقود طويلة وآخرها الـ 14 عامًا تتطلب أكثر من مجرد تغيير الوجوه؛ تتطلب تفكيك بنية التفكير الظلامي والديكتاتوري الذي يرى في المواطن مجرد "رعية" أو "أداة" في حروب السلطة وكيفية الاستحواذ والتمكين..

أعتقد أن المسار المنشود والإنقاذي لسوريا هو دولة القانون لا دولة الولاء، حيث إن المخرج الاستراتيجي من هذا النفق المظلم يكمن في العودة إلى الجذور القانونية للدولة، والتي تتلخص في::
سيادة الدستور: الذي لا يُصاغ لإرضاء الفاتحين، بل لحماية الضعفاء وضمان حقوق الأقليات والأكثريات أفرادًا وجماعات، ذكورًا وإناثًا على حد سواء.
المواطنة المتساوية: التي تلغي امتيازات القرب من السلطة، وتجعل من "الهوية السورية" هي المعيار الوحيد للحقوق والواجبات.
استقلال القضاء: وإخراجه من يد عصبة السلطة لضمان محاسبة المجرمين والمفسدين، سواء كانوا من بقايا النظام البائد أو من "أمراء الحرب"، مهما كان اصطفافهم، مغلوبًا أو غالبًا، منتصرًا أو خاسرًا.
من نافلة القول: 
إن سوريا اليوم تقف على مفترق طرق تاريخي؛ فإما المضي نحو دولة المؤسسات التي تُحترم فيها كرامة الإنسان، أو السقوط مجدداً في فخ "الاستبداد البديل" الذي يتغذى على الولاءات الضيقة والمحسوبيات. إن استعادة الإنسان السوري هي المهمة الأسمى، وهي لن تتحقق إلا بكسر قيود "الطرائق" والعبور نحو فضاء "القانون".


ليفانت: السياسي والإعلامي : أحمد منصور
 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!